كانت ليلة شتوية بامتياز ، حين قرر بعض الأصدقاء أن يلتقو عندي في المنزل لشرب الشاي، فكنت أول الموافقين فمن المعروف عني حب الشاي علي الطريقة الموريتانية خصوصا عندما يكون في جو عائلي يتميز بدفئ الصداقات الجميلة ، ذهبنا الي المنزل وبدأنا في اعداد الشاي و تبادلنا أطراف الحديث ، وماان مرت دقائق حتي كانت الساعة تقترب من منتصف ليل رأس سنة 2011 فكانت التبريكات والأماني بحلول العام الجديد ، الاأن أحد الأصدقاء فاجأ الجميع حين سئل عن أمنيته!! حيث كانت أمنيته بكل بساطة (سقوط نظام ولد عبد العزيز)، فاستغرب الحضور تلك الأمنية بمافي ذالك أنا!! كيف يسقط النظام؟ وكيف يتغير الرئيس؟ سألت صديقي فبدي لي جادا في أمنيته التي أثرت في نفسي علي مدي عام بأكمله. ان النظام في موريتانيا لايختلف كثيرا عن أمثلته في العالم العربي ، فهو نظام فاسد ومبني علي الباطل، ويتلاعب بعقول المواطنين ، وبمقدرات الوطن ، وماالديمقراطية التي يتشدق بها الا صورة من صور "الديكتاتورية الرشيدة" التي يخدّر بها الشعب! ، اذا الأسباب موجودة فعلا لاسقاط النظام وتغييره! لكن كيف يتم تغيير النظام؟؟ فعندنا لاتوجد طريقة واضحة للوصول الي الحكم فالانقلابات دائما ماتكون مفاجئة وقد راح ضحيتها كثيرون مابين قتيل وجريح وسجين و...! ثم أنها لاتأتي بالتغيير المنشود فهي لاتغير سوي بعض الأسماء (اسم الحركة الانقلابية ومن يتزعمها...) دون تغيير لأسلوب الحكم أو تحسين لحال البلاد والعباد ، والغريب أنه بامكانك مشاهدة الرئيس المنقلب عليه مرشحا لرئاسيات أو مدعوا لحضور انشطة رسمية!! وكأنه كان متمالئا مع من انقلبو (علي رئاسته) افلانستطيع القول علي (حكمه) فحكمه قد تم توطيده أكثر. وأما اذا تحدثنا عن الوصول الي الحكم عن طريق الانتخابات فبغض النظر عن شفافيتها من عدمها ، فانها لاتأتي الابانقلابي "مشهود الانقلاب" أو برئيس يمكن الانقلاب عليه مابين طرفة عين وانباهتها!!ابعد تلك الليلة بدأت الأحداث تتسارع في العالم العربي علي مدي عام بأكمله، والفساد تزداد وتيرته في موريتانيا ولوحظ تراجع كبير في المكتسبات الديمقراطية من تأجيل للانتخابات الي قمع للتظاهرات ... وارتفعت الأسعار ونقصت الأمطار و... ولم يعد صديقي منفردا بأمنيته لوحده بل أصبحت أمنية الكثرين من أبناء الشعب الموريتاني وأنا من بينهمبحلول العام الجديد أقول لكل أصدقائي أنه علي رأس أمنياتي ل2012 زوال كل أنظمة الاستبداد والفساد في العالم العربي والافريقي ومانظام ولد عبد العزيز الا أحد تلك الأنظمة!!سنة سعيدة ، سنة كرامة، سنة حرية، سنة ديمقراطية للجميع.
السبت، 31 ديسمبر 2011
الأربعاء، 21 ديسمبر 2011
نصف ساعة مع ابنى خالد
شاءت الأقدار أن يرتبط حبسى بالقضاء الطبيعى: اعتقلت فى عام ٢٠٠٦، مع خمسين زميلا من حركة كفاية، ومئات لا تحصى من الإخوان المسلمين، بسبب تضامننا مع انتفاضة القضاة ضد مبارك ونظامه. اعتصمنا لأجل استقلال القضاء والإشراف القضائى الكامل على الانتخابات، فحبستنا نيابة أمن الدولة شهرا ونصف الشهر.
والآن، فى زمن الثورة، حبستنى النيابة العسكرية، عقابا على إصرارى على المثول أمام قاضيَّ الطبيعى، وربما أيضا عقابا على دورى فى مذبحة ماسبيرو، الذى ارتبط بالقضاء الطبيعى أيضا، فوقفتنا فى المستشفى القبطى لضمان تحقيق جاد من النيابة العامة، وإصرارنا على تشريح دقيق من الطب الشرعى، هذه الوقفة هى السبب فى إدراج اسمى فى محاضر تحريات الشرطة والمخابرات العسكرية.
مع تساقط الشهداء مجددا فى ميدان التحرير، انتزعنا انتصارا فى قضية ماسبيرو، لكنه انتصار بطعم الجنزورى، فالقضية حولت بالفعل للقضاء المدنى ولكن بدلا من مثولى أمام قاضى تحقيق مستقل وجدت نفسى مجددا أمام نيابة أمن الدولة العليا.
فى زمن المخلوع كنا نرفض التحقيق أمام نيابة أمن الدولة لأنها قضاء استثنائى، لكن فى زمن الجنزورى رضينا بها على أساس أن الاستثنائى المدنى أفضل من الاستثنائى العسكرى. ولأنه انتصار جنزورى لم أفرح، بالعكس؛ عدت من النيابة فى حالة نفسية سيئة جدا، ومر علىّ أصعب أسبوع فى السجن، فما سبق كان نضالا ضد المحاكمات العسكرية، والنضال يلهمك الصبر ويسهل الصمود، لكن ما معنى استمرار حبسى بعد تحويل القضية؟ ما الهدف من صمودى؟
طمأننى المحامون أن استئناف قرار الحبس الاحتياطى سيكون أمام قاض طبيعى: أخيرا سأمثل أمام القاضى الذى تحملنا الحبس والسحل لإعلاء مقامه ومكانته، والمحافظة على هيبته وسلطته واستقلاله.
لم يكن يشغلنى وقتها إلا خروجى لحضور ولادة ابنى الأول، خالد. نصحنا الطبيب بولادة قيصرية مبكرة حرصا على صحة منال، ومع كل تجديد للحبس خاطرنا بتأجيل الولادة على أمل أن ننتصر وأحضرها.
خالد تضامن معنا؛ أضرب عن الخروج رغم مرور التسعة أشهر المقررة له، وانتظر أملنا الأخير: الاستئناف أمام القاضى الطبيعى. أملنا كان كبيرا، فلا يوجد سبب لحبسى أصلا، فأنا برىء حتى تثبت ادانتى، وعودتى من السفر خصيصا للمثول أمام النيابة دليل على أنى لم أهرب، وأصلا التهم الموجهة إلىّ واضح أنها ملفقة، والتحريات واضح أنها غير جادة، وشهود الزور شهاداتهم متضاربة، والأدلة قدمناها وطلبنا سماع شهود لإثبات عدم تواجدى فى مسرح أحداث ماسبيرو أصلا وقت المجزرة، فالحق بين.
خالد عمل اللى عليه وانتظر القاضى، ترافع المحامون، وختموا مرافعتهم بتقدم منال أمام القاضى وطالبت بإخلاء سبيلى لحضور الولادة، لكن قاضيّ الطبيعى نظر لها نظرة غريبة. أظننى عرفت حين رصدت تلك النظرة أنه لن ينصفنى.
انهارت معنوياتى تماما، وغرقت فى هلع وقلق على خالد وأمه. لأول مرة صعبت عليا نفسى، حبسى صار ضربا من العبث، ومخى وقلبى لا حمل لهما على العبث. أفهم لماذا حبستنى نيابة أمن الدولة.
ولكن لماذا حبسنى القاضى؟ ما العداوة بينى وبينه؟ وما مصيرى الآن؟ هل سأتحول لواحد من آلاف الكائنات البائسة بسجن طرة، تحقيق؟ ننتظر شهورا ــ وأحيانا سنوات ــ حكم لا يأتى، من أيدى قضاة يقول لهم القانون إننا بريئون إلى أن تثبت إدانتنا ويقول لهم الدستور إن حريتنا وحقوقنا لا تقيد إلا بحكم قضائى ولكنهم لا يسمعون، فيستمر حبسنا ولا تنتهى قضايانا وينسانا العالم الممتد خلف الأسوار؟ كل من فى السجن باهت وبائس، حتى القطط شاحبة؛ حركتها بطيئة، وعيونها منطفئة منكسرة.
● نمت مقتنعا أن هذا مصيرى، أمامى نصف عام على الأقل قبل أن تحال القضية للمحكمة وشهور من التأجيلات قبل البراءة، كيف سأصمد؟
ــ ثم جاء خالد! فى عصر اليوم التالى وصلتنى رسالة تطمئننى على سلامته وعلى صحة منال، وصورة. حب من أول نظرة، حب من أول صورة. تبدد السجن وأسواره وقططه، تبدد كل شىء إلا حبى لخالد وفرحتى بقدومه. ونمت مرتاح البال.
فى يومه الثالث زارنى خالد. كانت مفاجأة. توقعت ألا يسمح الطبيب بزيارة إلا بعد أسبوع على الأقل. زارنى خالد لمدة نصف ساعة. حملته فى يديا عشر دقائق.
يا الله! إزاى جميل كده؟ حب من أول لمسة! فى نصف ساعة أعطانى فرحة تملأ السجن أسبوعا كاملا. فى نصف ساعة أعطيته محبة تمنيت أن تحيطه أسبوعا كاملا. فى نصف ساعة تغيرت وتغير الكون من حولى. أفهم الآن لماذا يستمر حبسى: أرادوا أن يحرمونى من الفرحة. أفهم الآن لماذا سأصمد: حبسى لن يمنع محبتى، سعادتى مقاومة، أن أحمل خالد لدقائق نضال.
لم أقاوم وحدى لحظة؛ يشاركنى دائما متضامنون. لذا لم أسعد وحدى بخالد، غمرتنى سعادة المتضامنين. اعتدت تلقى تويتات فى صورة برقيات فى محبسى: تهانى بعيد الأضحى وبعيد ميلادى، وصلتنى أيضا تهانى بعودة الثوار للميدان، لكن خالد حاجة ثانية! كم رهيب من البرقيات، أغلبها من ناس لا أعرفهم وربما لن أتشرف بلقائهم أبدا، كتبوا ليعبروا عن فرحهم بقدوم خالد وحبهم له. كتبوا يعرفون أنفسهم، أسماء أفراد عائلاتهم، عنواينهم، وظائفهم، مدنهم، كتبوا أن لخالد عمو وطنط فى مئات البيوت فى كل مكان فى مصر.
للأسف لا يسمح لى بالاحتفاظ بالبرقيات، أقرأها مرة واحدة على عجل ثم تختفى، لن أتمكن من ترديد أسامى كل طنط وكل عمو لخالد، لكن محبتهم وصلت. نصف ساعة تلهمنى سعادة أعيش عليها أسبوعا. مجرد خبر قدومه يلهم أناسا لا يعرفوننا سعادة تدفعهم لإرسال برقيات لأب محبوس.
نصف ساعة لم أفعل فيها سوى النظر إليه، ما بالكم بنصف ساعة أغَيَّر له فيها، أو نصف ساعة أطعمه فيها، أو نصف ساعة ألاعبه فيها؟ ماذا عن نصف ساعة يحكى لى فيها عن مدرسته؟ نصف ساعة نتناقش فيها عن أحلامه؟ نصف ساعة نختلف فيها على نزوله المظاهرة؟ نصف ساعة يخطب فيها بحماسة عن الثورة وكيف ستحررنا كلنا؟ عن العيش والحرية والكرامة والعدالة؟ نصف ساعة أفتخر فيها أن ابنى راجل شجاع شايل مسئولية بلد قبل ما يصل لسن يشيل فيه مسئولية نفسه؟
● ما مقدار السعادة فى نصف ساعة كهذه؟ كآخر نصف ساعة قضاها أبو الشهيد مع ابنه؟
ــ يحرمنى السجن من خالد إلا نصف ساعة. أصبر لأننا سنقضى باقى ما كتب لنا من أنصاف ساعات معا. كيف يصبر أبو الشهيد؟
الشهيد خالد، فى قلوبنا خالد، فى عقولنا خالد، فى التاريخ خالد، وفى الجنة خالد. لكن هل يجلب خلوده السعادة لأبيه؟ قلبه سينفجر بمحبة ما بقى من العمر من أنصاف ساعات. هل يفرغ ما فى قلبه بحضن التاريخ؟ أنا أنتظر الإفراج وأصمد. ماذا ينتظر أبو الشهيد؟ أن يلحق بالخالد فى الجنة؟
تصورنا أن القاضى سينصفنا، فى ٢٠٠٦ هتفنا «يا قضاة يا قضاة خلصونا من الطغاة»، فحبسنى القاضى الطبيعى ليحرمنى من خالد. تصور أبو الشهيد أن الجندى الطبيعى سينصفه، وفى فبراير هتفنا «الجيش، والشعب، إيد واحدة»، فدهسنا الجندى الطبيعى ليحرمنا من الخالد.
البحث عن أسباب حبسى عبث. حبسى لن يعيد دولتهم. بالمثل سقوط أغلب الشهداء عبث، ربما قتلوا الشهداء فى البداية لوقف الثورة، لكن لماذا استمروا فى القتل بعد أن ثَبُت مرارا وتكرارا أن الثورة تستمر؟ بل يزيد القتل كلما اقتربوا من الهزيمة. أذكر جيدا ظهور القناصة يوم الجمال، جاءوا متأخرين بعد أن تبين أن الميدان سيصمد، كان قتلا لأجل القتل، بلا هدف استراتيجى: القتل فقط ليحرمنا من الخالد. عبث، فقتلنا لن يعيد دولتهم.
علينا أن ننتبه: هم لا يقتلوننا ليعيدوا دولتهم؛ هم يقتلوننا لأن القتل والحبس سلوك طبيعى فى دولتهم. نعم سلوك طبيعى، احنا بس اللى بنضحك على نفسنا. لم تخذلنا فقط شرطة دولتهم، ألم يشاركهم عمداء كلياتها فى دهس أولادنا؟ ألم تخذلنا مستودعات بوتجازها وأفرانها؟ ألم تخذلنا عبّاراتها وموانيها؟ ألم تخذلنا عجلة إنتاجها التى لا تبخل على المدير والمستشار بالملايين ــ حتى وهى متوقفة، وتستكثر على العامل والموظف الفتات وهى تدور؟
ألم يخذلنا اقتصادها الذى يغلق مصانع الغزل رغم تكدس القطن فى بيوت الفلاحين، ويشغل مصانع السماد رغم تكدس السموم فى الماء؟ ألم تخذلنا نوادى كرتها التى تترك جمهورها فريسة الأمن لو شجعوا بصخب وتتدخل لإنقاذ لاعبيها من المحاسبة حتى لو رفعوا سلاحا على أعزل؟ خذلتنا وتخذلنا كل مؤسساتها وكل قوى ومسئول قيادى فيها، وغدا سيخذلنا برلمانها ورئيسها.
لم أكن أتصور أن بقلبى محبة كالتى اندفعت مع ولادة خالد، كيف استوعب ما فى قلب أبو الخالد من الحزن؟ يا الله إزاى قاسية كده؟ أن تدفن ابنك لا أن يدفنك، هل هناك ظلم يفوق هذا؟ هل هناك اختلال للميزان أكثر من هذا؟ نضحك على أنفسنا ونفترض أنه حدث استثنائى ومن الممكن إصلاح تلك الدولة، لكن كل الشواهد انه حدث طبيعى ولا أمل إلا اسقاط تلك الدولة.
نعم لتسقط دولتهم. نخاف مواجهة الحقيقة، نخاف على البلد إن سقطت الدولة، لو أسقط الميدان الدولة ماذا يتبقى لنا؟ مصر ليست الميدان.
صحيح مصر ليست الميدان، لكننا لم نفهم الميدان. ماذا نفعل فى الميدان؟ أبدا، نلتقى، نأكل، ننام، نتناقش، نصلى، نهتف، نغنى، نبذل الجهد والخيال لتوفير احتياجاتنا، نفرح ونهلل فى زفاف، نحزن ونبكى فى جنازة، نعبر عن أفكارنا وأحلامنا وهويتنا، نتشاجر أحيانا، نحتاس ونرتبك ونتخبط بحثا عن المستقبل، ونقضى اليوم بيومه لا ندرى ما يخبئه لنا المستقبل.
أليس هذا ما نفعل خارج الميدان؟ لا شىء استثنائيا فى الميدان إلا لَــمِّتنا. خارج الميدان نتصور أننا نفرح فى الزفاف لأننا نعرف العروسين، فى الميدان فرحنا لزفاف أغراب واحتفلنا. خارج الميدان نتصور أننا نحزن فى الجنازة لأننا نعرف الفقيد، فى الميدان حزننا على أغراب وصلينا عليهم.
لا شىء جديدا فى الميدان إلا أننا نحيط أنفسنا بمحبة الأغراب. لكن محبة الأغراب ليست حكرا على الميدان: مئات أرسلوا لى برقيات محبة لخالد من خارج الميدان، بعضهم كتب عن نفسه أنه من حزب الكنبة. ملايين حزنوا على الشهيد فى كل بيت فى مصر.
نفرح بالزفاف لأنه زواج. نحزن فى الجنازة لأنه الموت. نحب المولود لأنه إنسان ولأنه مصرى، ينفطر قلبنا على الشهيد لأنه انسان ولأنه مصرى. نذهب للميدان لنكتشف أننا نحب الحياة خارجه، ولنكتشف أن حبنا للحياة مقاومة. نجرى نحو الرصاص لأننا نحب الحياة، وندخل السجن لأننا نحب الحرية.
البلد هو ما نحب وما نحيا، ما يفرحنا وما يحزننا. لو سقطت الدولة لن يبقى فقط الميدان، ستبقى محبة الغريب وكل ما دفعنا للميدان وكل ما تعلمناه فى الميدان.
الحب خالد والحزن خالد والميدان خالد والشهيد خالد والبلد خالد، أما دولتهم فلساعة، ساعة فقط.
والآن، فى زمن الثورة، حبستنى النيابة العسكرية، عقابا على إصرارى على المثول أمام قاضيَّ الطبيعى، وربما أيضا عقابا على دورى فى مذبحة ماسبيرو، الذى ارتبط بالقضاء الطبيعى أيضا، فوقفتنا فى المستشفى القبطى لضمان تحقيق جاد من النيابة العامة، وإصرارنا على تشريح دقيق من الطب الشرعى، هذه الوقفة هى السبب فى إدراج اسمى فى محاضر تحريات الشرطة والمخابرات العسكرية.
مع تساقط الشهداء مجددا فى ميدان التحرير، انتزعنا انتصارا فى قضية ماسبيرو، لكنه انتصار بطعم الجنزورى، فالقضية حولت بالفعل للقضاء المدنى ولكن بدلا من مثولى أمام قاضى تحقيق مستقل وجدت نفسى مجددا أمام نيابة أمن الدولة العليا.
فى زمن المخلوع كنا نرفض التحقيق أمام نيابة أمن الدولة لأنها قضاء استثنائى، لكن فى زمن الجنزورى رضينا بها على أساس أن الاستثنائى المدنى أفضل من الاستثنائى العسكرى. ولأنه انتصار جنزورى لم أفرح، بالعكس؛ عدت من النيابة فى حالة نفسية سيئة جدا، ومر علىّ أصعب أسبوع فى السجن، فما سبق كان نضالا ضد المحاكمات العسكرية، والنضال يلهمك الصبر ويسهل الصمود، لكن ما معنى استمرار حبسى بعد تحويل القضية؟ ما الهدف من صمودى؟
طمأننى المحامون أن استئناف قرار الحبس الاحتياطى سيكون أمام قاض طبيعى: أخيرا سأمثل أمام القاضى الذى تحملنا الحبس والسحل لإعلاء مقامه ومكانته، والمحافظة على هيبته وسلطته واستقلاله.
لم يكن يشغلنى وقتها إلا خروجى لحضور ولادة ابنى الأول، خالد. نصحنا الطبيب بولادة قيصرية مبكرة حرصا على صحة منال، ومع كل تجديد للحبس خاطرنا بتأجيل الولادة على أمل أن ننتصر وأحضرها.
خالد تضامن معنا؛ أضرب عن الخروج رغم مرور التسعة أشهر المقررة له، وانتظر أملنا الأخير: الاستئناف أمام القاضى الطبيعى. أملنا كان كبيرا، فلا يوجد سبب لحبسى أصلا، فأنا برىء حتى تثبت ادانتى، وعودتى من السفر خصيصا للمثول أمام النيابة دليل على أنى لم أهرب، وأصلا التهم الموجهة إلىّ واضح أنها ملفقة، والتحريات واضح أنها غير جادة، وشهود الزور شهاداتهم متضاربة، والأدلة قدمناها وطلبنا سماع شهود لإثبات عدم تواجدى فى مسرح أحداث ماسبيرو أصلا وقت المجزرة، فالحق بين.
خالد عمل اللى عليه وانتظر القاضى، ترافع المحامون، وختموا مرافعتهم بتقدم منال أمام القاضى وطالبت بإخلاء سبيلى لحضور الولادة، لكن قاضيّ الطبيعى نظر لها نظرة غريبة. أظننى عرفت حين رصدت تلك النظرة أنه لن ينصفنى.
انهارت معنوياتى تماما، وغرقت فى هلع وقلق على خالد وأمه. لأول مرة صعبت عليا نفسى، حبسى صار ضربا من العبث، ومخى وقلبى لا حمل لهما على العبث. أفهم لماذا حبستنى نيابة أمن الدولة.
ولكن لماذا حبسنى القاضى؟ ما العداوة بينى وبينه؟ وما مصيرى الآن؟ هل سأتحول لواحد من آلاف الكائنات البائسة بسجن طرة، تحقيق؟ ننتظر شهورا ــ وأحيانا سنوات ــ حكم لا يأتى، من أيدى قضاة يقول لهم القانون إننا بريئون إلى أن تثبت إدانتنا ويقول لهم الدستور إن حريتنا وحقوقنا لا تقيد إلا بحكم قضائى ولكنهم لا يسمعون، فيستمر حبسنا ولا تنتهى قضايانا وينسانا العالم الممتد خلف الأسوار؟ كل من فى السجن باهت وبائس، حتى القطط شاحبة؛ حركتها بطيئة، وعيونها منطفئة منكسرة.
● نمت مقتنعا أن هذا مصيرى، أمامى نصف عام على الأقل قبل أن تحال القضية للمحكمة وشهور من التأجيلات قبل البراءة، كيف سأصمد؟
ــ ثم جاء خالد! فى عصر اليوم التالى وصلتنى رسالة تطمئننى على سلامته وعلى صحة منال، وصورة. حب من أول نظرة، حب من أول صورة. تبدد السجن وأسواره وقططه، تبدد كل شىء إلا حبى لخالد وفرحتى بقدومه. ونمت مرتاح البال.
فى يومه الثالث زارنى خالد. كانت مفاجأة. توقعت ألا يسمح الطبيب بزيارة إلا بعد أسبوع على الأقل. زارنى خالد لمدة نصف ساعة. حملته فى يديا عشر دقائق.
يا الله! إزاى جميل كده؟ حب من أول لمسة! فى نصف ساعة أعطانى فرحة تملأ السجن أسبوعا كاملا. فى نصف ساعة أعطيته محبة تمنيت أن تحيطه أسبوعا كاملا. فى نصف ساعة تغيرت وتغير الكون من حولى. أفهم الآن لماذا يستمر حبسى: أرادوا أن يحرمونى من الفرحة. أفهم الآن لماذا سأصمد: حبسى لن يمنع محبتى، سعادتى مقاومة، أن أحمل خالد لدقائق نضال.
لم أقاوم وحدى لحظة؛ يشاركنى دائما متضامنون. لذا لم أسعد وحدى بخالد، غمرتنى سعادة المتضامنين. اعتدت تلقى تويتات فى صورة برقيات فى محبسى: تهانى بعيد الأضحى وبعيد ميلادى، وصلتنى أيضا تهانى بعودة الثوار للميدان، لكن خالد حاجة ثانية! كم رهيب من البرقيات، أغلبها من ناس لا أعرفهم وربما لن أتشرف بلقائهم أبدا، كتبوا ليعبروا عن فرحهم بقدوم خالد وحبهم له. كتبوا يعرفون أنفسهم، أسماء أفراد عائلاتهم، عنواينهم، وظائفهم، مدنهم، كتبوا أن لخالد عمو وطنط فى مئات البيوت فى كل مكان فى مصر.
للأسف لا يسمح لى بالاحتفاظ بالبرقيات، أقرأها مرة واحدة على عجل ثم تختفى، لن أتمكن من ترديد أسامى كل طنط وكل عمو لخالد، لكن محبتهم وصلت. نصف ساعة تلهمنى سعادة أعيش عليها أسبوعا. مجرد خبر قدومه يلهم أناسا لا يعرفوننا سعادة تدفعهم لإرسال برقيات لأب محبوس.
نصف ساعة لم أفعل فيها سوى النظر إليه، ما بالكم بنصف ساعة أغَيَّر له فيها، أو نصف ساعة أطعمه فيها، أو نصف ساعة ألاعبه فيها؟ ماذا عن نصف ساعة يحكى لى فيها عن مدرسته؟ نصف ساعة نتناقش فيها عن أحلامه؟ نصف ساعة نختلف فيها على نزوله المظاهرة؟ نصف ساعة يخطب فيها بحماسة عن الثورة وكيف ستحررنا كلنا؟ عن العيش والحرية والكرامة والعدالة؟ نصف ساعة أفتخر فيها أن ابنى راجل شجاع شايل مسئولية بلد قبل ما يصل لسن يشيل فيه مسئولية نفسه؟
● ما مقدار السعادة فى نصف ساعة كهذه؟ كآخر نصف ساعة قضاها أبو الشهيد مع ابنه؟
ــ يحرمنى السجن من خالد إلا نصف ساعة. أصبر لأننا سنقضى باقى ما كتب لنا من أنصاف ساعات معا. كيف يصبر أبو الشهيد؟
الشهيد خالد، فى قلوبنا خالد، فى عقولنا خالد، فى التاريخ خالد، وفى الجنة خالد. لكن هل يجلب خلوده السعادة لأبيه؟ قلبه سينفجر بمحبة ما بقى من العمر من أنصاف ساعات. هل يفرغ ما فى قلبه بحضن التاريخ؟ أنا أنتظر الإفراج وأصمد. ماذا ينتظر أبو الشهيد؟ أن يلحق بالخالد فى الجنة؟
تصورنا أن القاضى سينصفنا، فى ٢٠٠٦ هتفنا «يا قضاة يا قضاة خلصونا من الطغاة»، فحبسنى القاضى الطبيعى ليحرمنى من خالد. تصور أبو الشهيد أن الجندى الطبيعى سينصفه، وفى فبراير هتفنا «الجيش، والشعب، إيد واحدة»، فدهسنا الجندى الطبيعى ليحرمنا من الخالد.
البحث عن أسباب حبسى عبث. حبسى لن يعيد دولتهم. بالمثل سقوط أغلب الشهداء عبث، ربما قتلوا الشهداء فى البداية لوقف الثورة، لكن لماذا استمروا فى القتل بعد أن ثَبُت مرارا وتكرارا أن الثورة تستمر؟ بل يزيد القتل كلما اقتربوا من الهزيمة. أذكر جيدا ظهور القناصة يوم الجمال، جاءوا متأخرين بعد أن تبين أن الميدان سيصمد، كان قتلا لأجل القتل، بلا هدف استراتيجى: القتل فقط ليحرمنا من الخالد. عبث، فقتلنا لن يعيد دولتهم.
علينا أن ننتبه: هم لا يقتلوننا ليعيدوا دولتهم؛ هم يقتلوننا لأن القتل والحبس سلوك طبيعى فى دولتهم. نعم سلوك طبيعى، احنا بس اللى بنضحك على نفسنا. لم تخذلنا فقط شرطة دولتهم، ألم يشاركهم عمداء كلياتها فى دهس أولادنا؟ ألم تخذلنا مستودعات بوتجازها وأفرانها؟ ألم تخذلنا عبّاراتها وموانيها؟ ألم تخذلنا عجلة إنتاجها التى لا تبخل على المدير والمستشار بالملايين ــ حتى وهى متوقفة، وتستكثر على العامل والموظف الفتات وهى تدور؟
ألم يخذلنا اقتصادها الذى يغلق مصانع الغزل رغم تكدس القطن فى بيوت الفلاحين، ويشغل مصانع السماد رغم تكدس السموم فى الماء؟ ألم تخذلنا نوادى كرتها التى تترك جمهورها فريسة الأمن لو شجعوا بصخب وتتدخل لإنقاذ لاعبيها من المحاسبة حتى لو رفعوا سلاحا على أعزل؟ خذلتنا وتخذلنا كل مؤسساتها وكل قوى ومسئول قيادى فيها، وغدا سيخذلنا برلمانها ورئيسها.
لم أكن أتصور أن بقلبى محبة كالتى اندفعت مع ولادة خالد، كيف استوعب ما فى قلب أبو الخالد من الحزن؟ يا الله إزاى قاسية كده؟ أن تدفن ابنك لا أن يدفنك، هل هناك ظلم يفوق هذا؟ هل هناك اختلال للميزان أكثر من هذا؟ نضحك على أنفسنا ونفترض أنه حدث استثنائى ومن الممكن إصلاح تلك الدولة، لكن كل الشواهد انه حدث طبيعى ولا أمل إلا اسقاط تلك الدولة.
نعم لتسقط دولتهم. نخاف مواجهة الحقيقة، نخاف على البلد إن سقطت الدولة، لو أسقط الميدان الدولة ماذا يتبقى لنا؟ مصر ليست الميدان.
صحيح مصر ليست الميدان، لكننا لم نفهم الميدان. ماذا نفعل فى الميدان؟ أبدا، نلتقى، نأكل، ننام، نتناقش، نصلى، نهتف، نغنى، نبذل الجهد والخيال لتوفير احتياجاتنا، نفرح ونهلل فى زفاف، نحزن ونبكى فى جنازة، نعبر عن أفكارنا وأحلامنا وهويتنا، نتشاجر أحيانا، نحتاس ونرتبك ونتخبط بحثا عن المستقبل، ونقضى اليوم بيومه لا ندرى ما يخبئه لنا المستقبل.
أليس هذا ما نفعل خارج الميدان؟ لا شىء استثنائيا فى الميدان إلا لَــمِّتنا. خارج الميدان نتصور أننا نفرح فى الزفاف لأننا نعرف العروسين، فى الميدان فرحنا لزفاف أغراب واحتفلنا. خارج الميدان نتصور أننا نحزن فى الجنازة لأننا نعرف الفقيد، فى الميدان حزننا على أغراب وصلينا عليهم.
لا شىء جديدا فى الميدان إلا أننا نحيط أنفسنا بمحبة الأغراب. لكن محبة الأغراب ليست حكرا على الميدان: مئات أرسلوا لى برقيات محبة لخالد من خارج الميدان، بعضهم كتب عن نفسه أنه من حزب الكنبة. ملايين حزنوا على الشهيد فى كل بيت فى مصر.
نفرح بالزفاف لأنه زواج. نحزن فى الجنازة لأنه الموت. نحب المولود لأنه إنسان ولأنه مصرى، ينفطر قلبنا على الشهيد لأنه انسان ولأنه مصرى. نذهب للميدان لنكتشف أننا نحب الحياة خارجه، ولنكتشف أن حبنا للحياة مقاومة. نجرى نحو الرصاص لأننا نحب الحياة، وندخل السجن لأننا نحب الحرية.
البلد هو ما نحب وما نحيا، ما يفرحنا وما يحزننا. لو سقطت الدولة لن يبقى فقط الميدان، ستبقى محبة الغريب وكل ما دفعنا للميدان وكل ما تعلمناه فى الميدان.
الحب خالد والحزن خالد والميدان خالد والشهيد خالد والبلد خالد، أما دولتهم فلساعة، ساعة فقط.
أبو خالد
صباح الجمعة 9 12 2011
زنزانة 6/1
عنبر 4
سجن طرة - تحقيق
الاثنين، 12 ديسمبر 2011
آفاق التغيير في بلاد شنقيط
لم تكن الثورة المصرية كثورة الياسمين بتونس، ولن تكون الليبية كسابقتيها، و لا يمكن أن تكون الثورتان اليمنية و السورية كاللواتي سبقنهما و لا كتلك اللاحقة
كتب أحدهم ساخراً أن الخطاب الذي سيلقيه القائد العربي الأخير الذي تصله الهزات الإرتدادية للثورة، سيكون خطاباً طويلاً؛ إذ لابد له فيه من البدء بالأرجوزة المضحكة، و القائلة أن بلده "ما هوش كما كتونس"، و ما هو "زَيْ" مصر، و "مش كيف" ليبيا، و بعيد كل البعد عن اليمن، و يختلف عن سوريا، و لا يشبه العراق، و لا يتشابه مع الأردن، و أكبر من البحرين...و...و...و"، حتى يصل إلى القطر العربي الثّائر الأخير الذي يليه، فيصبح خطابه أقرب للفكاهة منه إلى شيء آخر. ولكن ذلك الزعيم العربي سيكون محقًا في نفس الوقت، لأنه ستكون لكل شعب بصمته الثورية، فريدة في شكلها، ولكن المضمون واحد و البُغية هي نفسها: الإنعتاق من العبودية و استنشاق عبق الحرية.
قالت وزيرة الخارجية الآمركية كلينتون في تصريح لها إبان الثورة المصرية أن "الذي يظن [من القادة العرب] أن هذه الثورات العربية لن تطرق بابه فهو واهم"، مُستبقةً بذلك الأحداث بما يُدخل الحَزَن إلى قلوب أوليائها من حكّام العرب. ولكن الخارجية الآمريكية لم تعد تراهن على بقاء أولئك الحكام بعد سقوط أكثرهم ولاءاً و أرسخهم حكماً بمصر، بل إنها لم تعد تريد المجازفة بعلاقتها المستقبلية مع الشعوب العربية بعد استيعاب الدرس المصري. مثلها في ذلك ما صرّح به الرئيس الفرنسي ساركوزي بعد إخفاقه بداية في فهم الرسالة التونسية. ولكن الأشجع من ذلك و الأكثر صراحة ما تلفظ به أمير دولة قطر حين قال أن "التغيير قادم و علينا الترحيب به" في نُقلة نوعية من حاكم عربي، معبّراً عن عجز أيّ كان عن كبح هذا السيل الثوري الجارف.
عندها أخذت بقية العروش ترتعش في انتظار أدوارها. فمن مُغدق بالوعود على شعبه من زيادة في الأجور و حتى معاشات التقاعد و زائد لحقوق المرأة و الشجرة و الحمار، إلى مُناد بالحوار اللاّ مشروط الذي "يمكن أن يُناقش فيه كل شيء"، مروراً بالتغييرات الدستورية الإستباقية أو الوقائية، علّها تقي صاحبها داء الثورة الماحق، الذي إن أتى فلا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتا الله بحكم سليم.
أعتقد، إذن، أنه يجب التّحلّي بالشجاعة الكافية حتى نعترف و نقبل بأنّ نوعاً من النّضج قد وصل إليه الشّارع و الشعب العربيان، ألا و هو ضرورة التغيير...و أي تغيير؟ إنه التغيير المنشود الذي "هرمت" الشعوب في طلبه "زنقة زنقة"، فلم تجد بُدًّا من التعبير عنه إلا بالجملة الصريحة :"الشعب، يُريد إسقاط النظام". وليس بطريق الإنقلابات المشؤومة، التي كانت هي السبيل الوحيد للتغيير الذي عوّدنا عليه العسكريون بكل مرارة و بؤس، لأنه في نفس الوقت كان من أحسن السُّبل المؤدية إلى زرع و تشييد تلك الديكتاتوريات البغيضة.
أما نحن، أهل موريتانيا ... سكان بلاد شنقيط القصية، فإننا نعاني منذ عقود من تسلُّط كارثتين اثنتين، تقفان في وجه كل إصلاح و تقطعان سبيل كل تنمية ... اختصاصهما : وأد الأحلام و تسفيه العزائم و تثبيط الهمم ... ألا و هما الحُكم و الفكر و التدبير و التنظير العسكري من جهة، و عقلية الإنبطاح السياسي و ثقافة الذُّل المَخزَني من جهة أخري. تتداعى هاتان الظاهرتان لمحق كل مستقبل مُشرق في موريتانيا، إذ تغذي الأولى الثانية بما تسرقه من قوت البلد لتثبيت عرشها، و تمد الثانية الأولى بما تتوارثه، أباً عن جدّ، من بَديعيّات التزلف و مُحسّنات التّملق. وهكذا يرزح العباد و البلاد تحت ثقل هذه الحلقة التعيسة و المُفرغة، بل الفارغة اصلاً، من الإنحطاط المادي و المعنوي، التي يندر تأتّيها، بل ينعدم، في شعب أو في بلد إلاّ في بلدنا هذا المسكين و في بلادنا تلك ذات الوجه الشاحب، التي "هزلت حتى استامها، بل ركبها، المفلسون".
إنّ الذي يأمن بطش الثورة في بلد يدخل القرن الواحد و العشرين بمُدُن لا يوجد بها من الصرف الصحي إلاّ ما صُرف من الأموال لأكل ميزانيات الصحة البالية، و ليس بها من خدمة البريد إلاّ بريد الوشاية و النميمة و التملّق السريع، و ليس عنده من جهاز الحماية المدنية المتحضّر إلاّ جهاز التسلط العسكري المتخلّف، فهو ليعيش حالة من الغباء السياسي النادر.
إن "دولة" تفتقد لأهم مُقومات الدولة العصرية و تفتقر لأدنى ملامح المدنية، لَحَرية بأن تُفكر في مستقبل، بل في جدوائية، و جودها أصلاً. إنّ شرّ البلية ما يُضحك.
إن ثورتنا ستكون على مقاسنا و تبعاً لتطلعاتنا و في طليعتها "تأمُّرنا في أمرائنا" بعد "لحظة المُفاصلة مع الحكم العسكري" كما عنون لذلك الأستاذ محمد المختار الشنقيطي في مقاله الشيق الذي ظهر مؤخراً. إنّ أي اتجاه لثورة إصلاح في موريتانيا يجب أن يرتكز على فهم عميق لمبدإ المُفاصلة الحقيقية و النهائية مع الحكم العسكري بشتى أشكاله: أبتداءاً من الحكم العسكري المباشر و انتهاءًا بالحكم العسكري ذي اللبوس الديموقراطي الزّائف، مروراً بالتّحكم العسكري من وراء كواليس حُكم مدني ضعيف، و قد جربناها كلها بكل أسف و مرارة. فلا تعليم و لا صحة و لا فن و لا ثقافة و لا اقتصاد و لا عمران و لا رياضة في موريتانيا بعد ثلث قرن من التَّحكم العسكري في مصير الشعب الموريتاني المسكين.
إن إي نهضة إصلاحية في هذا البلد يجب أن تُعيد بناء الدولة، إن لم أقل بناءها ببساطة، على أسُس سليمة بعد نسف ذلك الثنائي المرير الذي يستحكم في موريتانيا منذ ردح من الزمن: حكم العسكر و بطانته من المنافقين السياسيين.
أعتقد أنه لا مفر من الوصول إلى هذه الفكرة و تلك النتيجة التي تتمحور حول إعادة بناء أغلب ركائز الدولة و ترميم المتبقي منها؛ أعني بذلك إنشاء دستور جمهورية مفصّلة على الشعب الموريتاني، تُلائمه ديناً و ثقافة و تاريخًا و تركيبة، بعيدًا عن استنساخ دساتير جمهوريات فرنسا البالية، بناء مؤسسات تعليمية حقيقية (تضمن لموريتانيا تكوين صُنّاع قرار المستقبل و تربيتهم على أساليب الحَكامة الرشيدة)، إعادة بناء جيش يفهم كلُّ أفراده ما لهم وما عليهم، بدقة و بدون تجاوز، إنشاء عاصمة و مدن عصرية، تربية المجتمع و الناشئة على العلم و العمل بمبدإ الحقوق و الواجبات، الذي أصبح في خبر كان منذ عقود؛ ليعلم كلٌّ ما له و ما عليه، فيلتزم بذلك. تلك أساسيات لم تقم (و لن تقوم) دولة بدونها. هذا بالإضافة إلا أمور أخرى لا يتّسع المقام و لا الاختصاص لسبر أغوارها، و لكن تلك أهمها و لعلها ألحّها. فعلى صُنَّاع القرار في موريتانيا اصطحاب تلك المبادء، علّها تخفف من تكاليف ثورة شنقيط المحتومة.
"فرصتكم أيها الشباب الموريتاني، تستطيعون أن تقدّموا لموريتانيا ما لم يُقدّم لها الحكم العسكري و مُنافقوه، لأنّنا من تجربتهم هرمنا ...هرمنا من أجل هذه العقود الغير تاريخية"
د. نورالدين ولد محمدو
باحث و مدرس جامعي
كتب أحدهم ساخراً أن الخطاب الذي سيلقيه القائد العربي الأخير الذي تصله الهزات الإرتدادية للثورة، سيكون خطاباً طويلاً؛ إذ لابد له فيه من البدء بالأرجوزة المضحكة، و القائلة أن بلده "ما هوش كما كتونس"، و ما هو "زَيْ" مصر، و "مش كيف" ليبيا، و بعيد كل البعد عن اليمن، و يختلف عن سوريا، و لا يشبه العراق، و لا يتشابه مع الأردن، و أكبر من البحرين...و...و...و"، حتى يصل إلى القطر العربي الثّائر الأخير الذي يليه، فيصبح خطابه أقرب للفكاهة منه إلى شيء آخر. ولكن ذلك الزعيم العربي سيكون محقًا في نفس الوقت، لأنه ستكون لكل شعب بصمته الثورية، فريدة في شكلها، ولكن المضمون واحد و البُغية هي نفسها: الإنعتاق من العبودية و استنشاق عبق الحرية.
قالت وزيرة الخارجية الآمركية كلينتون في تصريح لها إبان الثورة المصرية أن "الذي يظن [من القادة العرب] أن هذه الثورات العربية لن تطرق بابه فهو واهم"، مُستبقةً بذلك الأحداث بما يُدخل الحَزَن إلى قلوب أوليائها من حكّام العرب. ولكن الخارجية الآمريكية لم تعد تراهن على بقاء أولئك الحكام بعد سقوط أكثرهم ولاءاً و أرسخهم حكماً بمصر، بل إنها لم تعد تريد المجازفة بعلاقتها المستقبلية مع الشعوب العربية بعد استيعاب الدرس المصري. مثلها في ذلك ما صرّح به الرئيس الفرنسي ساركوزي بعد إخفاقه بداية في فهم الرسالة التونسية. ولكن الأشجع من ذلك و الأكثر صراحة ما تلفظ به أمير دولة قطر حين قال أن "التغيير قادم و علينا الترحيب به" في نُقلة نوعية من حاكم عربي، معبّراً عن عجز أيّ كان عن كبح هذا السيل الثوري الجارف.
عندها أخذت بقية العروش ترتعش في انتظار أدوارها. فمن مُغدق بالوعود على شعبه من زيادة في الأجور و حتى معاشات التقاعد و زائد لحقوق المرأة و الشجرة و الحمار، إلى مُناد بالحوار اللاّ مشروط الذي "يمكن أن يُناقش فيه كل شيء"، مروراً بالتغييرات الدستورية الإستباقية أو الوقائية، علّها تقي صاحبها داء الثورة الماحق، الذي إن أتى فلا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتا الله بحكم سليم.
أعتقد، إذن، أنه يجب التّحلّي بالشجاعة الكافية حتى نعترف و نقبل بأنّ نوعاً من النّضج قد وصل إليه الشّارع و الشعب العربيان، ألا و هو ضرورة التغيير...و أي تغيير؟ إنه التغيير المنشود الذي "هرمت" الشعوب في طلبه "زنقة زنقة"، فلم تجد بُدًّا من التعبير عنه إلا بالجملة الصريحة :"الشعب، يُريد إسقاط النظام". وليس بطريق الإنقلابات المشؤومة، التي كانت هي السبيل الوحيد للتغيير الذي عوّدنا عليه العسكريون بكل مرارة و بؤس، لأنه في نفس الوقت كان من أحسن السُّبل المؤدية إلى زرع و تشييد تلك الديكتاتوريات البغيضة.
أما نحن، أهل موريتانيا ... سكان بلاد شنقيط القصية، فإننا نعاني منذ عقود من تسلُّط كارثتين اثنتين، تقفان في وجه كل إصلاح و تقطعان سبيل كل تنمية ... اختصاصهما : وأد الأحلام و تسفيه العزائم و تثبيط الهمم ... ألا و هما الحُكم و الفكر و التدبير و التنظير العسكري من جهة، و عقلية الإنبطاح السياسي و ثقافة الذُّل المَخزَني من جهة أخري. تتداعى هاتان الظاهرتان لمحق كل مستقبل مُشرق في موريتانيا، إذ تغذي الأولى الثانية بما تسرقه من قوت البلد لتثبيت عرشها، و تمد الثانية الأولى بما تتوارثه، أباً عن جدّ، من بَديعيّات التزلف و مُحسّنات التّملق. وهكذا يرزح العباد و البلاد تحت ثقل هذه الحلقة التعيسة و المُفرغة، بل الفارغة اصلاً، من الإنحطاط المادي و المعنوي، التي يندر تأتّيها، بل ينعدم، في شعب أو في بلد إلاّ في بلدنا هذا المسكين و في بلادنا تلك ذات الوجه الشاحب، التي "هزلت حتى استامها، بل ركبها، المفلسون".
إنّ الذي يأمن بطش الثورة في بلد يدخل القرن الواحد و العشرين بمُدُن لا يوجد بها من الصرف الصحي إلاّ ما صُرف من الأموال لأكل ميزانيات الصحة البالية، و ليس بها من خدمة البريد إلاّ بريد الوشاية و النميمة و التملّق السريع، و ليس عنده من جهاز الحماية المدنية المتحضّر إلاّ جهاز التسلط العسكري المتخلّف، فهو ليعيش حالة من الغباء السياسي النادر.
إن "دولة" تفتقد لأهم مُقومات الدولة العصرية و تفتقر لأدنى ملامح المدنية، لَحَرية بأن تُفكر في مستقبل، بل في جدوائية، و جودها أصلاً. إنّ شرّ البلية ما يُضحك.
إن ثورتنا ستكون على مقاسنا و تبعاً لتطلعاتنا و في طليعتها "تأمُّرنا في أمرائنا" بعد "لحظة المُفاصلة مع الحكم العسكري" كما عنون لذلك الأستاذ محمد المختار الشنقيطي في مقاله الشيق الذي ظهر مؤخراً. إنّ أي اتجاه لثورة إصلاح في موريتانيا يجب أن يرتكز على فهم عميق لمبدإ المُفاصلة الحقيقية و النهائية مع الحكم العسكري بشتى أشكاله: أبتداءاً من الحكم العسكري المباشر و انتهاءًا بالحكم العسكري ذي اللبوس الديموقراطي الزّائف، مروراً بالتّحكم العسكري من وراء كواليس حُكم مدني ضعيف، و قد جربناها كلها بكل أسف و مرارة. فلا تعليم و لا صحة و لا فن و لا ثقافة و لا اقتصاد و لا عمران و لا رياضة في موريتانيا بعد ثلث قرن من التَّحكم العسكري في مصير الشعب الموريتاني المسكين.
إن إي نهضة إصلاحية في هذا البلد يجب أن تُعيد بناء الدولة، إن لم أقل بناءها ببساطة، على أسُس سليمة بعد نسف ذلك الثنائي المرير الذي يستحكم في موريتانيا منذ ردح من الزمن: حكم العسكر و بطانته من المنافقين السياسيين.
أعتقد أنه لا مفر من الوصول إلى هذه الفكرة و تلك النتيجة التي تتمحور حول إعادة بناء أغلب ركائز الدولة و ترميم المتبقي منها؛ أعني بذلك إنشاء دستور جمهورية مفصّلة على الشعب الموريتاني، تُلائمه ديناً و ثقافة و تاريخًا و تركيبة، بعيدًا عن استنساخ دساتير جمهوريات فرنسا البالية، بناء مؤسسات تعليمية حقيقية (تضمن لموريتانيا تكوين صُنّاع قرار المستقبل و تربيتهم على أساليب الحَكامة الرشيدة)، إعادة بناء جيش يفهم كلُّ أفراده ما لهم وما عليهم، بدقة و بدون تجاوز، إنشاء عاصمة و مدن عصرية، تربية المجتمع و الناشئة على العلم و العمل بمبدإ الحقوق و الواجبات، الذي أصبح في خبر كان منذ عقود؛ ليعلم كلٌّ ما له و ما عليه، فيلتزم بذلك. تلك أساسيات لم تقم (و لن تقوم) دولة بدونها. هذا بالإضافة إلا أمور أخرى لا يتّسع المقام و لا الاختصاص لسبر أغوارها، و لكن تلك أهمها و لعلها ألحّها. فعلى صُنَّاع القرار في موريتانيا اصطحاب تلك المبادء، علّها تخفف من تكاليف ثورة شنقيط المحتومة.
"فرصتكم أيها الشباب الموريتاني، تستطيعون أن تقدّموا لموريتانيا ما لم يُقدّم لها الحكم العسكري و مُنافقوه، لأنّنا من تجربتهم هرمنا ...هرمنا من أجل هذه العقود الغير تاريخية"
د. نورالدين ولد محمدو
باحث و مدرس جامعي
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)